أبحاث الشعر العامى

مايو 13th, 2008 كتبها علاء عيسى نشر في , النقد

التناص السردي
(1) فى ديوان قلب طالع ع المعاش
إهداء إلى أ.د. طه وادى
رحمه الله
الإنسان والعالم
د. إبراهيم عبد العزيز
- 1-
محمود عبدالحفيظ شاعر أكاديمي ، قدم عددا من الدواوين الشعرية منها عيون و فتافيت و النوم عغلى صدر الوطن ثم طالعنا بديوانه قلب طالع ع المعاش … 1 وكتب بعده ديوانين هما من غير ما تاخد نفس 2 وديوان قيد النشر … من فوق سطوح خمسين سنة 3 وله مساهمات فى مجال القصة القصيرة نشرها فى مجلتي إبداع … والهلال ..
وقد أتيح لى أن أقرأ معظم أعمال الشاعر ، وهو ما يجعلنى مطمئنا إلى القول بأن ديوانه موضع الدراسة قلب طالع ع المعاش .. يختلف عما سبقه من دواوين على عدة مستويات أولها على مستوى الصياغة الشعرية ، وثانيها من حيث قدرة النص على الانفتاح على الموروث الشعرى ، وثالثها من حيث مستوى النفس الشعري.
أما على مستوى الصياغة ، فقد انتقل الشاعر من الكتابة ب العامية .. الخالصة التى يصدق عليها مصطلح عامية المثقفين .. إلى الكتابة المزاوجة بين اللغة الفصحى واللغة العامية المشار إليها ، أعنى تجاوز مستويات لغوية فى النص ، وسرعان ما يكتشف القارئ أن الفارق بينهما يكاد يكون وهميا على المستوى المعجمي كقوله :
أجتر أحزاني وأقول حان الرحيل
واندس فى جحر الكلام والجعجعة
دى معمعة
ممكن تعيش
لازم تعيش [ الديوان ، صـ8 ]
وأهمية هذه المزاوجة أنها تكشف عن وعى نقدى عند الشاعر ، بأن الشاعر لا تقيّده صفة تتبعه ، سواء أكانت هذه الصفة الفصحى أم العامية ، فالشعر واحد بما يحمله من صفات تضمن له خصائصه النوعية من إيقاع وصور ودلالات ، أضف إلى ذلك أنه ليس هناك خطوط فاصلة بين الأجناس الأدبية مما أتاح لهذا النص – من خلال هذه المزاوجة – القدرة على الانفتاح على الأنواع المغايرة للشعر ، مما حقق له مزيدا من الثراء الدلالي .
أما المستوى الثاني ، انفتاح النص على الموروث الشعري ، فإن النص الأدبي – وغير الأدبي – عموما لا ينشأ من فراغ ، لكن تفرده يأتي من تجاوزه لما قبله ، ولا يعني هذا التجاوز بالضرورة المخالفة أو السبق ، لكنه يعني قدرته في تحقيق رؤية خاصة فى علاقته بالأشياء ، وهو أمر لم يتحقق عند الشاعر قبل هذا الديوان – على الأقل في ديوانيه عيون – و فتافيت إلا على استحياء ، بل إن المروث – واحترس قليلا من التعميم – الذى ينطلق منه لم يخرج به من دائرة ما كتبه كبار شعراء العامية قبله ، حتى وإن اتجه إلى محلية خالصة في حديثه ، وهذا نموذج من حديثه عن بلدته (سنجها ) :
يا سنجها يا بلد شدي حزام ضهرك
ما تصدقيش اللى خانك وإن دفع مهرك
ما هو سارقه منك وفاتل حبله من شعرك
طايح بمٌهرك وعامل فى البلد خيّال [ ديوان : عيون صـ58 ]
أما فى ديوان قلب طالع ع المعاش .. فالأمر مختلف من ناحية انفتاحه على التراث الشعرى من جهة ، ومن جهة أخرى فى قدرته على محاورة هذا التراث بشكل تجريبي لافت – على نحو ما سنبين فى التحليل .
أما المستوى الثالث ن النفس الشعرى ، فقد تجاوز الشاعر كثيرا بهذا الديوان رصده للأشياء / الفتافيت أو المنمنمات التى يمكن أن تتجاور أو لا تتجاور لتشكل ديوانا إلى شكل الديوان القصيدة ، فالديوان كله صار قصيدة واحدة ، وهو ما تحقق أيضا فى ديوانه .. من فوق سطوح خمسين سنة..
هذا هو السياق التاريخي للديوان موضع الدراسة ، تأتي أهميته فى تقديري .. من محاولة الشاعر الدائمة إلى .. التجريب فى القصيدة ..وهذا التجريب فى معظم أعماله الشعرية ينطلق من تجارب متشابهة عند الشاعر مثل حديثه عن الزعفرانة .. التي قضى فيها جيشه ، والاختلاف الوحيد هو فى زاوية الرؤية التى يرى منم خلالها الأشياء .
-2-
إذا انتقلنا بالنص من سياقه التاريخي إلى سياقه المعرفي ، فإن عنوان الديوان .. قلب طالع ع المعاش .. هو أول ما يطالعنا بوصفه عتبة النص وبوابة العبور ، والسياق الدلالى للفظ طالع – كما يذكر أحمد يوسف 4 – يرتبط لدينا بالإشراق فى أنشودة استقبال الرسول عليه الصلاة والسلام … طلع البدر علينا .. أو .. طلع النخل .. بمعنى أخذ طلعته ، والشاعر يقول :
مولود أنا فى سنجها بلد النخيل والجناين [ ديون عيون ، صـ54 ]
وقد ترتبط دلاليا بعكس ذلك مثل .. طلع روحه … أى تثبيط للمعنويات ، ومفارقته القدرة على الحياة / العمل .
فإذا ما ارتبط هذا الطلوع بالمعاش فإننا إزاء ظاهرة اجتماعية صحية ، أعنى أنها تمثل ديمومة الحياة واكتمال التجربة المنوط القيام بها من ناحية ، ومن ناحية أخرى هى السكون والراحة بعد تعب وجهد .
وقد ورد هذا السياق بمعنى الحرفى فى ديوانه فتافيت :
خمسين سنة / أجرى أنا / ع الأرض لما حفيت
والبندقية على كتفي أنا صاحية / شايف الغريب فى الكفر والناحية
طلعت ليه ع المعاش [ فتافيت صـ19 ]
أما ورودها فى الديوان موضع الدراسة ، فقد جاء فى هذا السياق :
منقار صغير نغمش القلب اللى طالع ع المعاش
منقارصغير صحى فيه الأسئلة والانتعاش [ قلب طالع ع المعاش صـ50 ]
وهذا السياق النصي – فى تقديري – لا يمثل مؤشرا للقصيدة ، فهو لا يمثل رسالة الشاعر فى قصيدته ، ولا يقدم مفارقة تصويرية لها .
إذا ما تجاوزنا هذه العتبة وغيرها من المتعاليات النصية من إهداء وتصدير لافت من رواية العجوز والبحر – مع أهميتها – حتى لا نقع فى شركها مرة أخرى كما حدث مع العنوان ، أمكننا القول بأننا إزاء قصيدة تقوم على أساس من التوازى النصي مع القصيدة الطللية 5 ولا أقصد – قطعا – الشكل العروضي للقصيدة ، غنما أعنى بنيتها الفنية ، وقصيدة الطلل اكتسبت صمودا – رغم كل محاولات هدمها – لمئات السنين بحيث صارت القصيدة النموذج ، وانطلق منها الذين مثلوا عمود الشعر – فى نظر النقاد – والذين خالفوه.
وهو ما يجعلنى أطرح هذه التساؤلات :
كيف تعامل الشاعر مع هذا النموذج ؟
وما مقدار ائتلافه أو اختلافه مع هذا النموذج ؟ وإذا أدركنا أن هذا النموذج بداخله أشكال متعددة ، فأى أشكاله يختار ؟
وهل المنظور الدلالي الذى يحكم القصيدتين واحد ؟ أم أن الشاعر يؤسس قصيدته من تناقض الدلالات ؟
وما علاقة ذلك بالمتوازيات النصية التى يقيمها الشاعر مع نصوص أخرى مثل العجوز والبحر ؟
تبدو الإجابة عن التساؤلات السابقة طموحا كبيرا يحتاج إلى مفاهيم إجرائية تضمن له على الأقل الانطلاق من النص موضع الدراسة فى توازيه مع هذه النصوص ، فأين تكمن نقطة البدء ؟ والنص الموازى ليس قصيدة واحدة ، إنما هو تراث ضخم ومتنوع إذا ما توقفنا فقط عندما أنجزه الشعراء الأوائل .
-3-
أقترح أن تكون زاوية ( الاختبار / الاختيار ) لما طرح من أسئلة هى دراسة البنية السردية فى النص ، والتى تتوافر بشكل لافت فى القصيدة ، مما يجعلها مادة ممثلة لاستقراء الديوان ، ويأتي التناص بوصفه كشفا لحضور النص الطللي فى الديوان وغيابه ، والحضور والغياب يمثلان فاعلية إيجابية فى دلالات الديوان 6
والمعروف أن النموذج الطللي قد يكون ثنائيا أو ثلاثيا يبدأ بالبكاء على الأطلال ( المحبوبة ، صد وهجر وإعراض ومحاولات للوصل ) + ناقة + رسالة / فخر / مدح / رثاء ، وقد حافظ ديوان قلب طالع ع المعاش على الشكل الثلاثى الآتي :
بكاء على الأطلال + ناقة + رسالة
ويبدأ السرد فى الديوان من المقطع الأول
لما الجبل يعلى تغيب الشمس من قبل المعاد
يفلت حصان القلب خايف ..
من ضلام الليل .. ومن قهر البعاد [ الديوان صـ7 ]
أى أن السرد يبدأ من حيث الزمن بالحاضر / البكاء على الطلل ، أما من حيث المكان السردي فيرتبط بـ (الجبل ) الذى يعلو حتى تغيب الشمس ، وهو ما يعنى أن الراوى بحاجة إلى رحلة علوية ، حتى يدرك هذه الشمس ، لكنه سرعان ما يشعر بضآلته أمام الجبل ، فينفلت منه حصان القلب خائفا من قهر البعاد / مستقبل الراوى ، ويبين منطلقات خوفه على النحو الآتي :
يفتح كتاب العشق .. يقرا ..
يمكن الشعرا – اللي ما فيه حد منهم ..
لما سافر تاني عاد.
يمسحوا الدمع ف عيونه ..
يلقى دا ودع هريرة ..
ودا على الأطلال بيبكي ..
ودا بيصرخ ع الجبل ، بانت سعاد !! [ الديوان صـ7 ]
وإذا ما تأملنا مفردات كتاب العشق ، سنجد أن مرد هذا الخوف يتمثل فى ارتباط هذه المفردات بعلامة الصد والهجران ، وهو ما تمثل فى الإحالات النصية على هذه القصائد :
- ودع هريرة غن الركب مرتحل وهل تطيق وداعا أيها الرجل
- بانت سعاد فقلبى اليوم متبول متيم عندها لم يفد مكبول
- بانت سعاد وأمسى حبلها انجذما واحتلت الشرع فالأجزاع من إضما
وفى كل هذه القصائد يكون الصدود من المحبوبة وليس الشاعر ، والصدود هنا يرتبط بالشيب الذى يلحق بالشاعر ، وهو ما يتحقق تناصيا فى الديوان ..
خمسة ف تمانية باربعين
والعشق بعد الأربعين يبقى ترف
………………….
سنة حلوة يا جميل
ياللى ما ضحك ف وشك خال ولا عم
ولا حد اهتم ..
إلا في تسعين
لمّا الشعر ابيضّ وعضّ
والمولد شطّب وانفض .[ الديوان ص 16 ، 39 ]
والأربعين ليس علامة على السن ، وإن خدعنا الشاعر بقوله غلا فى تسعين .. والتراث العربي ملئ بتوظيف هذا الرقم مثل الأربعين النووية وأحاديث ابن دريد ( 8 ) ، فالأربعين علامة على النضج ، وعلى نضج التجربة الشعرية عند محمود عبدالحفيظ ، إذا ما قارنا ذلك بـ (خمسين سنة قراية وكتابة ) التى امتلأ بها ديوانيه فتافيت وعيون .
فما الذى أدى إلى هذا الواقع المخيف ؟
أدى إلى هذا الواقع المخيف .. الزمن .. من ثم كان من الضرورى أن يأخذ الشاعر موقفا من الزمن :
كن الزمن واقفلى بالمرصاد
فارد شباكه
لكن صواريخ الزمن منصوبة فوق الشط [ الديوان صـ13 ]
وهو موقف يكشف عن رؤية للزمن فى مستواه العام ، أما على مستوى الزمن الخاص ، فنجد الشاعر يخشى الليل ، لكن ليس الليل كله ، إنما (ظلامه ) :
من ضلام الليل
حتعيش كمان سنتين تلاتة بالكتير فى الضلام
ياما ليالى ع القمر بتفوت [ صـ7/8 ]
وهذا أول تناقض دلالى مع التراث الجاهلى الذى كان يخشى الدهر / الزمان ، وإن لم يصبه فإن نوائبه ستصيبه ، ويكره الليل وإن اكتظ بالنجوم والكواكب على نحو ما صور النابغة فى بائيته المعروفة ، أما الشاعر هنا لايقف مثل هذا الموقف العدائي ، بل يحاول أن يحدد أزمته مع الزمن ( ظلام الليل ) ، ومن ثم يحاول أن يقدم نوعا من سرد المقاومة والذى تمثل فى عدة دلالات 9
الدلالة الأولى تمثلت فى تذكير المحبوبة التى هجرته بقيمته / قوته :
قلبي زرعته لاجلك انت جنينة ..
فيها الورد .. والياسمين
وحلفت ما يدخلها غيرك حتى لو كان مين
واخترت لك…/ واخترت لك… [ صـ 14]
وتتواصل دلالات الاختيار فى النص بما يوحى – من خلال هذا التكرار – بأن الشاعر كان الطرف الأكثر هيمنة فى العلاقة ، من ثم يكون الرجوع إلى هذا النوع من السرد عودة إلى الماضى الجميل الذى جعله للمحبوبة جنة
لمَّا الحياة تدهس عليك ..
وتمد له بين السما والأرض جنة ..
يفتكرلك أي حاجة عملتها ويفضل حبيبك ؟؟!! [ صـ9 ]
فى المقابل فإن الشمس نار ، والأرض نار ، أى أن الجنة الوحيدة هى التى جعلها لمحبوبته .
الدلالة الثانية :- أن يتجه إلى إثبات الذات إزاء هذا الواقع المتجهم والمتمثلة هنا فى ( الاسكندرية ) حيث القدرة على إدراك المور وتقييمها
فى اسكندرية / كنت بأقدر أمسك الخيط من أوله
لكن المجال الذى تبرز فيه قوة الذات الحقيقية تمثلت فى قدرته على الغناء
(حامد) يجيب ورق السجاير ..يقطَّعه ..
ويرفّعه ..
فوق الشفايف يبقى ناي
ما احناش غناى ..
لكن بنقدر كل ليلة نفرَّح القلب الحزين ،
( أهل الهوى يا ليل فاتوا مضـاجعهم
واتجمَّعـوا يا ليل صحبة وانا معهم)
ويلاحظ أن الليل هو مصدر السعادة ، وأن الغناء فى حد ذاته هو ميراثه الشعري الذى يستطيع به أن يواجه خوفه من الزمان ، والغناء هو زاده فى مواجهة هذه التقلبات :
والغنيوة / امى قالت لى
لما الدنيا حواليك تطربق ، غني
ولما هدومك من شد الريح تتخربق غني [فتافيت صـ46 ]
وتماثل هذه الفكرة – على مستوى التوازى النصى – فكرة الخلود بالشعر فى مواجهة صد المحبوبة ، والتى تطورت بشكل لافت فى القصيدة المدحية عند أبى تمام والبحترى . ورغم أن المقطع السابق قد يحمل إجابات لكثير من الجوابات التى أطلقها فى القسم الأول من القصيدة غلا انه فى القسم الثانى لم يؤكد حرصه على شيء إلا على الجزء الذى يحفظ له الأغنية / القصيدة :
باتمنّى لو سن القلم يفضل بعيدعن وش الورق
لكن لإمتى القلب يحبس دمعته ؟
دى شمعته .. [ ص65 ]
الدلالة الثالثة : أن يقدم الأعذار التى تعمل على عدم المقاومة
تعلى بيوت ..تحجب عن عيوني الفضا
يعلى شجر .. يحجب عن عيونى القمر
يعلى النهار …
أحتل دورى في طابور الانتظار .. [ ص25 ]
هذا هو المستوى الذى شكذل علاقة الراوى بالزمن السردي ، أما على مستوى علاقة الراوى بالمكان ن فإن الشاعر فى هذا الديوان لا يتمثل أماكن النصر ويعرض عن أماكن الهزيمة كما يفعل الشاعر الجاهلى ، إنما يتمثل المكان الذى تحققت فيه الهزيمة مشفوعة بعذر ، على نحو ما فعل فى الزعفرانة وتبدو الدلالة المكانية هنا مزدوجة مرة عندما تمهد لخاتمة القصيدة – على نحو ما سنوضح لاحقا – ومرة ثانية عندما يكون هذا المكان الذى شهد موت البطل هو مكان تثبيط الهمم ، لكننا نعلم كذلك أن المعركة لم تنته بل تحققت بالنصر بعد موت البطل :
مات الكبير اللى اشتكى صبره زمانه وما اشتكى
محفوظ عزب .. قائد سريتنا .. بكى
وبكى الجميع
لا سلاح في إيدك ..ولا جماهير تهتف لك
وغيب عن المهزلة اللى جاية أشرف لك [ ص32]
لكن الحقيقة أن الراوى / البطل على مستوى معركته لم يغب ، بل حاول أن يصل الحبل مع المحبوبة ، لأنه - من وجهة نظره – صاحب جنتها ، وهو ما يذكرنا بقصيدة الأعشى :
صدرت هريرة عنّا ما تكلمنا جهلا بأم خليد ، حبل من تصل ؟
والاستفهام التعجبى الاستنكارى يماثل الموجود فى الديوان
بين السما والأرض موجودة انت دلوقتي ف مكان ..
طب هوّ فين ؟؟!! [ ص24 ]
يمكن أن نقول إجمالا أن الجزء الأول من القصيدة من المقطع الأول وحتى نهاية المقطع الحادى والعشرين لا تتنامى فيه الأحداث تصاعديا ، إنما ينطلق من مركز واحد هو السارد الحاضر الذى يستعيد ذاكرته عن طريق أساليب استفهامية أنفة الذكر ، أو أن يقدم وصفا استقصائيا على طول المقاطع السردية ، كما أن السارد يمتلك بعض المؤشرات اللغوية التى ينطلق مناه ويعود كما فى قوله
- والشمس فى قلب السما متسمرة ( المقطع الثانى )
- ما أعرفشى ليه لما الزمان يضحك باخاف ( على امتداد القصيدة )
- 4 –
إذا انتقلنا إلى الجزء الثانى من القصيدة ، والخاص بالناقة ، نجد أن الشاعر ترك كل التراث الطللى ، واتخذ منه النموذج المتفرد ، أعنى به النموذج الذى يحاور فيه الشاعر الناقة ، وهو ما لم يتحقق إلا فى قصيدتين اثنتين فقط للمتلمس الضبعي والمثقب الالعبدي ، ونونية الأخير منها هذه الأبيات :
أخالهم قبل بينك متعبينى ومنعك ماسألت كأن تبيني
إذا ما قمت أرحلها بليل تأوه آهة الرجل الحزين
تقول إذا دارت لها وضينى أهذا دينه أبدا ودينى
أكل الدهر حل وارتحال أما يبقى علىّ ولا يقيني
وقد أخلص الشاعر لهذا النموذج على عدة مستويات ، على مستوى الحوارمع الناقة ، هو ما يسميه صلاح عبدالصبور بحوار الكائنات مع احتفاظه للناقة الأنثى بصفات ذكورية كما يتضح فى المقطع الثاني والعشرين :
يا ناقتي في ضلام الليل دِلّى بى
نحو الحبايب أطفي النار دى اللى بى
شديت على بكر باتع .. قلت يجرى بى
رمى حموله علىّ ..
والتفت قال لى :
أنا اعذر اللى ما يعرفش تجاريبى [ ص45 ]
ويهمنا فى إطار البنية السردية – أن نشير إلى أن الراوي فى المقطع الأول أوجد له مروى له متحقق نصيا أشبه بما يطلق عليه البلاغيون التجريد ويمثلون له بالرجل فى مطلع قصيدة ودّع هريرة إلى مروى له آخر ( الناقة ) بحيث تتحول الذات إلى ناقة ، والناقة إلى الذات ، أى تكون – كما يقول جابر عصفور – فاعلا للتأمل ومفعولا له فى آن 10 .
ومع أن هذا القسم لا يحتل مساحة مكانية فى النص لكنه غنى بالدلالات ، فالناقة تحمله بوصفها دليلا فى ( ضلام الليل ) الذى هو سر أزمته مع الزمن ، كما أن دلالة الركوب - دلاليا – توظف مع الأمور العظام ركب مركبا صعبا .. ، وهو ما هيأ الشاعر للانتقال إلى القسم الثالث بوصفه رسالة لكل من يركب هذه الأمور الصعاب ، أى أنه سيختار فى القسم الثالث ( شكل الرسالة ) ، ويتحول الراوى بوصفه حامل لواء المظلومين بخطابه السردي إلى كل الذين ركبوا المركب الصعب ، وأبرز من اقتحم لجج الهوى / البحر ، هو سنتياجو .. بطل العجوز والبحر ، وبالتالى فإن مصير سنتياجو والشاعر واحد ، طالما أنهما لا يملكان أدوات هذا الولوج :
قلبك حصان شارد
وعقلك يلجمك
هذه الخيول الشاردة لا تحقق له الحماية من ضلام الليل ومن قهر البعاد وتجربة كتاب العشق تكشف عن ذلك ، فسعاد لا يمكن الوصول إليها إلا بالجياد المراسيل
أمست سعاد بأرض لا يبلغها إلا العتاق النجيات المراسيل
هذا هو الفرس رفيق الشاعر تراثيا وعلى مستوى النص الحالى ، ومثله الحمام أو القطا الذى ينغمش القلب الطالع على المعاش ، لكن يبقى عذر الراوى فى مجيء أمور لا تطاق كبار وهو ما مهد لهذه النهاية السريعة لمن يندرج تحت لواء المظلومين … لا شيء أنا الذى أوغلت بعيدا ..
الإحالات المرجعية
************
صدر الديوان عن سلسلة أصوات معاصرة ( العدد 197 ) دار الإسلام للطباعة والنشر ، مصر 2007 وذيلت بدراسة لـ / محمود الديدامونى عنوانها .. عطر الفضفضة فى ديوان قلب طالع ع المعاش
صدر عن مركز نهر النيل للنشر والتوزيع بالزقازيق 2008
الديوان قيد الطبع بالهيئة العامة للكتاب وذيل بدراسة للأستاذ سمير الفيل وعنوانها ( عذابات المحارب القديم مرثية جيل وترنيمة مرحلة ..
أحمد يوسف على ، أحلام بسيطة فى زمن صعب ، مقدمة ديوان ط الروح اللى طلعت النهارده .. لعزت إبراهيم
أنا مدين بهذا التوجه لأستاذى الدكتور أحمد يوسف على
رغم كثرة ما كتب عن السرد الشعرى ..إلا أن هناك خلطا واضحا فى كثير من المصطلحات ، والدراسة مدينة بالكثير لما أنجزته الدكتورة بدر محمد فى دراستها عن ط السرد فى دواوين شعراء المعلقات .. وهى فى الأصل رسالة دكتوراه تحت إشراف الأستاذين (د. حسين نصار – د. سليمان العطار )
راجع فى ذلك حسن البنا عز الدين – الكلمات والأشياء – دار المناهل – بيروت
راجع أحمد درويش ، تقنيات الفن القصصى عبر الراوى والحاكى
راجع بدر محمد ن السرد فى دواوين شعراء المعلقات ، مرجع سابق
جابر عصفور ، غواية الذات – كتاب العربى – الكويت – 2005 ص85

(2)
قراءة أولى فى ديوان وهذا اقرار منى بذلك
د.إبراهيم عبد العزيز
علاء عيسى صوت شعرى له حضوره فى المحافل الأدبية ، أصدر عدداً من الدواوين هى العزف على أوتار ممزقة ـ 1999م) ، وديوان ( عفواً سقط العنوان سهواً 2002م)
وديوان خيانةـ2005) ، ثم نشر الديوان موضع القراءة ( وهذا إقرار منى بذلك )ـ2007م) وهذا الترتيب التاريخى لإصداراته وخروجها عن سلاسل ذات طابع إقليمى مثل ( إقليم شرق الدلتا ـ خيول أدبية ) بالإضافة إلى سلسلة ( أصوات معاصرة ) ، يؤكد معنى الحضور الذى أشرت إليه .
واللافت فى عنوان ديوانه الأخير ( وهذا إقرار منى بذلك ) أنه لا يحمل أحد عناوين قصائده ؟ أعنى تلك السمة العامة عند الشعراء وكتاب القصة القصيرة فى جعل إحدى القصائد أو القصص علماً على اسم العمل الإبداعى كله ، وإذا كان هذا هو السياق الغالب فإن مخالفته ـ لاشك ـ ذات دلالة ، فما دلالته ؟
تشير هذه المخالفة ـ فى تقديرى ـ إلى أن الشاعر يرى إمكانية أن يقرأ ديوانه دفعة واحدة ؛ لأنه يحمل وحدة نصية ما ، لكننا ـ نحترس قليلاً ـ إزاء هذا التصدير الذى سبق قصائد الديوان المسمى ( إقرار ) ، يقول الشاعر : إقرار
دوَّرى ف كل القصايد
هاتلاقينى كاتبها ليكى
كل حرف ف شعرى ساجد
للجمال اللى ف عنيكى
المقر بما فيه
واحد واخد على خاطره
ويلفت الانتباه هنا أمران ؟ الأول هذا التوقيع الممهور بعبارة ( واحد واخد على خاطره ) ، وهو ما يحيلنا إلى عنوان القصيدة الأولى فى الديوان ، ولسنا فى مجال البحث عن مقصدية الشاعر حتى نحكم بأنه قد احتار بين عنوانين لديوانه ( وهذا إقرار منى بذلك ) و ( واحد واخد على خاطره ) ، لكننا نستطيع أن نلمح من خلال هذا التصدير هذا الإلحاح على تطابق العنوانين ، يدعم ذلك التركيب النحوى لهما ، فهما جملتان اسميتان يحملان بنية التأكيد ، فالذى يأخذ على خاطره من شيء ما ، هو يحمل ( إقراراَ ) بأن شيئاَ ما به خلل ، غاية القول إن هذا التطابق بين العنوانين ، هو ـ بصورة ما ـ إلحاح على الوحدة النصية فى ديوانه .
الأمر الثانى هى حقيقة ( كاف الخطاب ) فى هذا التصدير ( ليكى / عنيكى ) ، وهى الكاف التى تمثل ( الآخر ) على امتداد ديوانه ، ، فهل هذه الكاف دالة على الوطن أم على المحبوبة ، وكلاهما احتل حيزاً من الديوان أم هى المحبوبة / الوطن ؟ يكشف الديوان لنا عن أن هذه الكاف هى ( المحبوبة / الوطن ) ، فكلاهما معادل موضوعى للآخر ، فهو يعانى من الوطن الذى يعطيه ما بوسعه ولكن هذا الوطن يقابله بجفاء ونكران لحقيقة ما يقدم :
أنا الطيب يا ست الناس / مش الشرير !طأنا الشمعة اللى قادتلك طريقك نور
وانا اللى وعدى كان ليكى صريح جداً
وكان على نور
وفى الآخر … / أنا الغلطان
عشان باوعد وكان وعدى على أدى
أكون غلطان (صـ 10 )
كما يعانى من المحبوبة التى تخلف المواعيد ، وتغير الحقائق بحيث يصير هو الآخر
(الغلطان ) فى إدراك حقيقة الزمن على نحو ما صور فى قصيدة ( بكرة) .
إنتى قصدك أى بكرة ؟!
بكرة داللى عدَّى منك والا بكرة اللى ماجاش ؟
قلبى ياما قاسى منك شاف حاجات مابينسهاش ( صــ82ـ83 )
والسؤال الذى يمكن أن يطرح نفسه أين تكمن هذه الوحدة النصية فى الديوان ؟ بعبارة أخرى : الإقرار بماذا فى الديوان ؟
يتكون الدوان من إحدى عشرة قصيدة جاءت على النحو التالى ( واحد واخد على خاطره ـ عشرة طاولة ـ أم القلب النونو ـ آلو ـ بانوراما ثورية ـ عيبك ـ خليك رى لاكس ـ بكرة ـ مافكرتيش ـ مش على حد ـ منها ولها )
وبداية فإننى أستبعد قصيدة ( بانوراما ثورية ) من دائرة البحث لأسباب كثيرة ، منها الضعف الفنى فى القصيدة ، فهى معارضة باهتة ـ عن جاز التعبير ـ لأغنية (نبتدى منين الحكاية ) لمحمد حمزة التى تغنى بها عبد الحليم حافظ ، ولا يشفع لها تذييل بمناسبة اليوبيل الذهبى لثورة يوليو 2002 م ) ، فهذا أمر يسأل عنه مانحو الجوائز. يضاف إلى الضعف الفنى اشتمالها على مغالطات تاريخية لا يمكن أن تقبل نحو :
الملك
يومها حس الكل كارهه
والحبايب لانجليز اتخلوا عنه
يوم وليلة .. مصر عادت جمهورية ( صـ60 )
ولم تعلمنا كتب التاريخ والجغرافيا والأدب مثل هذا الكلام ، وتاريخ قصيدته يوحى بأن الشاعر كان بإمكانه وهو يعد ديوان ( خيانة ) لنشر أن يضمنه إياها ، لكنه تراجع ، ثم عاوده الحنين إلى هذه ( البانوراما ) فنشرها هنا ، ولا أملك تفسيراً إزاء ذلك اللهم إلا القول برغبة الشاعر فى أن يبرز حضوره بوصفه ( شاعر أغنية ) ، وهو بالفعل يملك هذا الحس يشهد على ذلك ما قدمه فى ديوانه ( عفواً سقط العنوان سهواً ) ، لكن إجادته الحقيقية تتمثل فى قصائده الطوال ( خيانة ـ عشرة طاولة ـ واحد واخد على خاطره ) .
نحن إذن ـ أمام عشرة قصائد تتمثل إقرار لواقع اجتماعى معيش يحيط بالشاعر ، ويحمل ـ من وجهة نظره ـ خللاً فى نسق قيمه ،يضع فيها الشاعر يده على أزمة طبقة اجتماعية بأشكالها المختلفة من خلال وعيه بهذا الحاضر لكنه لا يتجاوزه إلى استشراف آفاق أرحب هو ما يسمى بـ ( الوعى الممكن ) ؟ لأننا إزاء إبداع بالسلب يدرك المشكلة لكنه لا يضع حلولاً لها ، هذه الحلول التى تمثل ( أبعاد الرؤية ) .
فى ضوء ما سبق يمكننا أن ندرج كل نتاج علاء عيسى وليس هذا الديوان فقط تحت هذا المف

المزيد


أبحاث القصة ج 2

مايو 13th, 2008 كتبها علاء عيسى نشر في , النقد

القصة القصيرة المعاصرة فى القرن الجديد
- 1 -
إبراهيم عطية فى رحلة التعبير عن الذات
فى العقود الأربعة الأخيرة ، والقصة القصرة فى صراع مستمر ، صراع بين الذات والموضوع ، بين التجديد الفنى ، والوقوف عند حدود الشكل المتعارف عليه ، هذا الصراع أثمر ثماره ، مواكباً التيارات الوافدة تارة ، ومعالجاً للقضايا والموضوعات تارة أخرى ، ومن خلال ذلك ، ظهرت أقلام متعددة ، وموضوعات مختلفة ، منها ماهو متعلق بالنسان وتحرره ، ومنها ماهو متعلق بالكاتب ذاته ، ومنها ما هو شامل للأمرين معاً الإنسان فى أحلامه ، والكاتب فى طموحاته الفنية والموضوعية ، وبرزت على أثر ذلك مذاهب واتجاهات متباينة ، كانت واضحة فى فن القصة القصيرة خاصة ، وظل الإبداع القصصى يدور فى هذا الفلك المتحاور والمتقلب دونما بحث أو تقديم . أو وقوف على عناصر بنائية تختص بها قصتنا المصرية ، فكان هؤلاء يمثلون تيار التجديد ، وهؤلاء يمثلون تيار المحافظين ، وهؤلاء يمثلون تيار الوسط ، لا يبرحون أماكنهم ، خشية الخروج بإبداعهم ، من محيط الفن تماماً إلى شيء آخر ، وكان من نتيجة ذلك أن تشابه الموضوع القصصى فى أغلبه ، وأصبح مكرراً ، فى المدينة والريف في الشارع وفى المصنع وفى العمل ، ومع كل ذلك فقد انفلت من بين هؤلاء وهؤلاء ، من استطاع أن يقدم أعمالاً تتمثل فيها الشخصية الإنسانية المحلية ،وتتضح فيها القضية والبيئة ، القريبة والبعيدة ، وبرزت مجموعات قصصية تحمل وجهات نظر متعددة تعبر عن الأجيال المتعاقبة ، وتحمل أمانيهم وأحلامهم ، ومشاكلهم بدقة وعناية ، وقفز الشكل الفني إلى آفاق أرحب وأوسع من خلال الاهتمام بمكونات الفرد فى حياته سواء أكان فردا هامشياً، أم فرداً ذا بال ، ويمثل هؤلاء الجيل الجديد فى القصة القصيرة في مطلع القرن الحالي ، من هنا يلاحظ أن صوت إبراهيم عطية يتشابه كثيراً مع الصنف الأخير فى كثير من الأمور ،
أولها:ـ
أنك تجد جملة كبرة من الدلالات الشعبة تسيطر على أعماله ، هذه الدلالات لم تقف عند حد النموذج- الشخصية – بل امتدت إلى المركبات الحقيقية للواقع الإنسانى المصرى – فى المدينة ، وفى القرية ، وفى الشارع – فى الأحلام والتطلعات ، فى التقلبات النفسية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية والفكرية ، وكان من حتمية هذه التركيبة المجتمعية ، أنك تجد اللوحة المكانية والزمانية ، لها حدودها المعلومة والمرسومة ، والتى لها الأثر المباشر فى النسيج الفنى ، أضف إلى ذلك اللغة الوعائية ، ذات المستويات ، ذات المستويات المتعددة والمتقلبة فنياً إيجابياً وسلبياً فقد احتوت على المثل الشعبى والموال والأغنية ، والدلالة والوظيفة ، والذات الأسلوبية ، وكانت التعددية الوعائية إمعاناً فى النماذج الموضوعية والشخصية ، المستمدة من التجارب الحقيقية ، وذلك من خلال مراجعة أعمال الكاتب الثلاثة – طعم الوجع – 1998م . الهيئة العامة لقصور الثقافة – إبداعات نصف شهرية ، ومجموعة صيد المطر – الهيئة العامة للكتاب – إشراقات أدبية 2007 ، ومجموعة حوريات الضوء – سلسلة خيول أدبية – تصدرها محافظة الشرقية مع مديرية الثقافة 2006 ،
ثانياً:ـ
يلاحظ أنه على مستوى الموضوع ، انطلق مصور الإحساس بالرقة والأم والدهشة ، والغربة ، فكان قريباً جداً من أشخاصه ، وما ينتابهم من معاناة ، وتطورت هذه الرؤية إلى التعبير المتحرر من العنف ، أو الوقوف أمام معوقات الإنسان ، ومن ثم المراقبة والملاحظة ، الدقيقة لبواعث وأسباب هذه المعوقات ، المضلة أحياناً ، والتى لا دخل لأبطاله فيها ، فهم نتاج وأثر لسياسات اجتماعية متقلبة ، لا تتوقف عن الدورات ، وليست بمعزل عن تموجات الحياة العامة ، تطوراً وتخلفاً ، أو جموداً وأعتقد أن هذه الرؤية التعبيرية التشريحية التى تركن إلى البواعث والأسباب ، دون تدخل هى ميزة القصة الحقيقية ، وهى الفكرة الأساسية ، التى يجب أن يعتنقها الأديب المبدع ، حتى يكون القارئ شريكاً أصيلاً له ، عند التلقى ، وعند التباين أو الاتفاق ،
ثالثاً:ـ
القصة القصيرة عند إبراهيم عطية ، هى واقع الحياة الجديدة ، المتغيرة بتغير المعتقدات السائدة ، وهى الحركة الدرامية الشعبية البسيطة المتوجهة ، التى لا تفسير لأحداثها أحياناً ، نظراً لتغلغل معتقداتها فى الضمير الإنساني ، وهى أحياناً تشكيل جمالى أساسه اللغة المعبرة عن الأنماط الشعبية ، ويستند هذا التشكيل إلى البراءة والحسرة والدهشة والسذاجة ، هذا المفهوم العام فى مجمله إحالة مباشرة إلى واقع حياتى ، يكاد يكون معروف للجميع ، لكنه يحيلنا بطبيعته إلى جملة انكسارات عديدة، على المستوى السياسى والاجتماعى والاقتصادى ، ويوقفنا على حقيقة هامة ، وهى السلبية المفرطة التى تحاصر الجميع ، حتى أصبحت لا فكاك منها ، وتلك نظرة تشاؤمية لا تخلو من أثر الواقعية الغربية ، لكنه سرعان ما نفض قلمه ، وعاد إلى بيئته ومحليته المصرية ، الشرقاوية الخالصة ، فبدا هناك شيء من أمل يحلق فى سماء أبطاله ، خاصة عندما دمج العام فى الخاص ، وبدا الهم الاقتصادى أساساً لجميع الهموم - التى أصابت الجميع بالسلبية والانعزالية والألم والغربة .
التشكيل البنائى :ـ 1- الموضوع
عدت أفكار وتشكيلات أساسية قامت عليها القصة القصيرة عند ابراهيم عطية ، الأولى : الأفكار الموضوعية الذاتية المرهفة التى تعبر عن صاحبها فى كثير من جوانبها ، والهم الاجتماعي الناتج عن التخلف الاقتصادي ، الثانية : التشكيل الفنى الذى يقوم عليه فن القص ، وهو تشكيل خاص عند الكاتب ، فقد قام على الصورة العامة للشخصية . ثم الصورة الأدبية ، ثم المكان الواضح المحدد المعالم والاتجاهات ، ثم الألوان الضوئية ، التى تشكل أبعاد رمزية للفرد والمجتمع – وآخيراً اللغة الوعائية – التى توجت العمل الفنى .
أولاً : الفكرة الذاتية المرهفة . 1- طعم الوجع
وأعنى بها مفردات الموضوع القصصي عند الكاتب ، وهى مفردات ذاتية قائمة على أحلام اليقظة والسذاجة ، والمعاناة المصاحبة لأطوار حياته المختلفة ، والتى خرج من دائرتها الضيقة إلى الدائرة الأوسع ، فأدرك كثيراً من قيم العصر وروحه ، وقد تجلى ذلك فى قصص مجموعة طعم الوجع – الوجع – لمس الروح – تراتيل السفر وفى هذه القصص تتحور الفكرة عند حدود خاصة بفترة معينة ، لم يكتمل فيها النضج الفنى عند الكاتب ، فأصيبت القصص رغم شفافتها بالترهل مع قلة شخوصها ، والانتقال فى حدود مكانية نفسية إلى أخرى دون الاستفادة الفنية ، وذلك لأنه اعتمد على سيرته الذاتية فى الأغلب الأعم . اقرأ معى نموذج من الوصف الذاتى فى قصة الوجع المسافة باقية بيننا بامتداد النظرات المستترة جبال الصمت وصوت الحمام يبعث برسالة الشوق .. يطير من فوق قبة الجامعة إلى الأبراج هناك ، خلف دوار العمدة ، يسلم على الأحبة ، وأبى الواقف على الطريق يركب الظل الذى يدنو على مر النظر . ينتظر ، وكبش الفداء الثمين يشتاق لساعة النذر فى ليلة الله وربابة المداحين الفقراء تتغنى ببطولات الفارس الذى سيجيء صـ12
ونموذج آخر من نفس المجموعة من قصة لمس الأرواح – فى حوار مع زميلة له – على فكرة أنت بتؤمن بتلاقى الأرواح – هزتنى الكلمة وطارت الروح معه العصافير طيفها إلى العمارات العالية بحث عن عش يضمها ، اصطدمت بالفراغ وخلو اليد ، بعد سنوات الدراسة أفقت على حيويته – إيه يا درش سرحت ولا إيه ؟ - ياه يا أخى تصور الدنيا من غير امرأة – أعتقد أنها مكنتشى هيكون لها طعم صـ18
ونموذج ثالث من قصة تراتيل السفر بعنوان خروج من نفس المجموعة – يقول مجيب على من سأله الحاجة – يا رب يخليك لله ..
تصفحت وجهه ، كاتمًا غيظى وتركته . آه لو تعرف ، لقد سرقنى ابن الحرم ولم يبق على شيء . شفت بعينى هاتين اللتين سيأكلهما الدود ، فى يده مطواة . قرن غزال ، ورأيت حافظة نقودى ، أصابني الخرس ، الركاب جميعاً رأوه . ولم يفعلوا شيئاً ، خافوا وسكتوا ، اخترقت الزحام بسرعة ودلفت إلى مبنى محطة القطار .. مردداً تراتيل السفر وأغنية عبد الوهاب يا وبور قول لى – رايح على فين .. صـ30،31 والملاحظ أن نماذج هذه المجموعة ، غلبت عليها النزعة التقليدية المفرطة ، من حيث سرد المواقف الشخصية والقيم النفسية والروحية التى تمثل فترة الشباب – أو البداية –
2- مجموعة صيد المطر :
يتطور المفهوم العام للفكرة ، ويصبح الكاتب أحد الأركان العامة ، للتأثيرات السياسية والاقتصادية ، فيتفاعل مع الواقع وينصهر فى الهم النفسى للأشخاص ، وتتلخص فى النزعة المرهفة ، وتبرر ملامح المسئولية الفنية واضحة المعالم ، فتحدد الشكل البنائى والدلالى للقصة ، من خلال الفهم الحقيقى للوسائل الفنية والجمالية لهذا الفن وتبدوا ، النزعة الذاتية ذات أهداف لإنسانية عامة . متعلقة بالتاريخ العريق لعادات وتقاليد أهل الريف ، والمقارنة الدائمة بين ساكن المنازل الحديثة فى المدينة والقرية وما بينهما من تناقض ، عمد الكاتب إلى كشفه وتوضيحه – من ذلك قصص خمسة أمتار – طلل النحاس – سيرة ما جرى – صيد المطر – التكعيبة ماء وطين – التى ينحوا فيها الكاتب منحى فلسفى قائم على التصوف الوجودى الحياتى ، حسب مفهومه لقوله تعالى وجعلنا من الماء كل شيء حى وإليك هذا النموذج الوصفى من هذه القصة يقول إبراهيم عطية – لما أمطرت السماء أسرعت الخطوات المتلكئة وهرول الباعة الجائلون لجمع بضاعتهم المفروشة على الرصيف ، فزع السائرون ولاذ من لاذ بجانب أسوار العمارات القائمة من أثر طبقات الغبار المتراكم على وجهات لافتات الإعلانات وحواف النوافذ ، حتى تهدأ قطرات الرزاز .الا أن الزفات اشتدت مكونة بركة وحل على الأسفلت ، ذعر الناس متخفين فى ملابسهم المبللة . خاف الرجل الواقف أسفل البلكونة على ولده الذى يحمل فوق ظهره حقيبة مدرسية ، ضمه لصدره ودعى ناظراً للسماوات …. يا رب ارفع غضبك عنا واسترها يا كريم ووقعت عينا . على الفتاة السائرة على جانب الطريق تتمخطر فى فستان شبه عارية تلاحقها العيون الجاحظة .. صـ42،41
ونموذج آخر من قصة أنكرتنى بيوت القرية صـ49 وآخر من قصة الحياة مرة أخرى بدأت نقط المطر تعلم على الأسفلت صـ129
3- حوريات الضوء
يكتمل النضج الفنى عند الكاتب وتتضح المعالم التشكيلية للفكرة إيضاحاً إيقاعياً ، على مستوى البناء الدلالى والفنى ، وتصبح الفكرة الأساسية هى الهم الداخلى والخارجى محلياً وعالمياً ، وتتحول النظرة التصوفية الوجودية – إلى الفكرة الوجودية القريبة القائمة على الشخص ذاته – فى تطلعه ونموه – فتتحول الأحلام إلى حقيقة والحقيقة إلى فراغ ، والفراغ إن مكابدة للحياة – كل ذلك من خلال مشاكل الشباب والعجز عن تحقيق الرغبات ، وفقدان الثقة وغياب الأمان ، وقد استلهم الكاتب العديد من الأحداث السياسية الحالية والماضية فاستلهم من التاريخ القديم بطريق الرمز بعضاً من صور الظلم وكذب الحاكم – كذلك اقترب الكاتب فى بعض قصصه فى المنحى التعليمى الطفولى التربوى ، فقدم درساً وطنياً فى شكله القريب ، إنسانياً أخلاقياً فى مفهومه البعيد وذلك من خلال قصته تحية العلم وتتحدد شخصية الكاتب بوضوح فى هذه المجموعة . من ذلك قصة قفزة ثقة – التى عبر فيها عن نفسه وعن جيله وأمته – من خلال الصراع السياسى الغربى الشرقى يقول بعد أن قدم نفسه وحالته المتصارعة من جراء اجتياح أمريكا للعراق بعد فقدان فلسطين وراودتنى الأفكار متلاحقة .. ولا أدرى كيف أطوع نفسى صـ72 وتتركز هذه النزعة المأساوية المتشائمة فى قصته العوض على الله صـ77
1- الصورة العامة للشخصية
فى قصص إبراهيم عطية تستطيع أن تحدد ملامح عامة للشخصية الهامشية ، وتستطيع أن تدرك مواصفات شعبية للبيئة التى أفرزت هذه الشخصية ، وتستطيع أيضاً أن تقف على أسباب ونوعية التهميش ، لكنك لا تستطيع أن تفصل بين ذات الكاتب وملامح أشخاصه ، فكل منهم يمثل زاوية خاصة من زواياه – فى طموحه وإخفاقه وتطوره – وتحوله ، إذن هناك شخصية فنية وذات متعددة الوجوه والزوايا ، هذا التصرف جعل الكاتب حريصاً على موقفه من القضية العامة وإحلالها مباشرة داخل القضية الخاصة مما خرج بالشخصية الفنية إلى ما هو أبعد من ذلك فأحالها إلى صورة ضوئية ، خلفيتها تتشكل من الأحداث والسياسات الشائكة وكانت الأحداث الاقتصادية فى قمة هذه السياسات ، تمثل المجموعات الثلاث هذه الرؤية – إلا أنها تأخذ شكلاً أوضح فى حوريات الضوء بداية من الصحفى فى دفء المشاعر والملاكم المتصارع مع نفسه وذاته أولاً فى حوريات الضوء إلى شاعر الربابة والذات الراوية ورواد المقهى عند انتظار مكابدة الحياة العاطلة فى قصته كل شيء على مايرام و أبو عايشة و أبو صفارة – إلى نهاية هذه المجموعة .. ويمكن تحديد سمات موضوعية عامة لهذه الطائفة من الشخصيات ، أولها التحدى والصمود – عدم مغادرة الحالة الأصيلة التى جب أن يكون عليها الفرد الصحيح ، ثانيها : الصورة الكارثية التى تبدوا عليها – وأدى تعظيم الكارثة عند هؤلاء إلى الاستفادة الفنية داخل الحبكة القصصية ، وأدى الرمز وظيفته الايجابية دون عوائق مصطنعة من هنا فإن الاكتمال الفنى للصورة الشخصية تتحقق من خلال الخلفية الاجتماعية والموضوعية ، ومن خلال الهالات الضوئية التى استعان بها الكاتب ببراعة عند فض الاشتباك الفنى وعند نقاط الالتقاء بين القارئ والذات الكاتبة ، كل ذلك جعل الصورة الشخصية القصصية تتحول إلى صورة أدبية دقيقة مكونة من خيوط مادية تجسيدية ؛ وأخرى نفسية ملونة بالضوء الشمسى تارة ، والأحمر والأصفر المرموز له تارة أخرى .
2: الصورة الأدبية وتداخل الحدث
أشرت سابقا إلى أن الشخصية عند إبراهيم عطية ، صورة عامة تحولت بفعل العناصر البنائية المساعدة إلى صورة أدبية مادية ومعنوية ، هذه الصورة تشكلت منذ البداية من حوريات الضوء ، والتى فرضت ظللها فى كل مناحى العمل بالإيحاء والرمز وبالحضور المباشر معاً وقد ساعد على ذلك وجود الكلمات القريبة والمتداولة ، وشيوع الوصف ، والخيال المشترك ، هذا التصرف بطبيعته أوجد نوعاً من التجانس النفسى الخفى ، والذى بدا فى صورة صراع متشابك غير محدد ، فى ظل سيطرة الحدث الحقيقى ، الغير مبالغ فيه والذى تكفل بعبأ فنى كبير جذب نحوه العناصر البنائية الأخرى ، فانطلقت من كنفه لتعبر عن مشاكل اجتماعية إنسانية ، مما أدى إلى تشكيل تصويرى متداخل مع الدلالات الحديثة ذات الأبعاد المتعددة ، وقصة حوريات الضوء أقرب إلى ذلك التأويل يقول إبراهيم عطية قاومت مرتكزاً على ذراعى ، طوحنى هتاف الجمهور ، ريشة فى الهواء ورفرف القلب مع حوريات الضوء الذى أغرق الصالة ، التففن حولى وهدهدانى ، أنعشنى يقظة العزيمة شاورن لى بابتسامة …. صـ19 ويقول فى موقع آخر قدر لى أن أنافسه على تاريخه وسنوات الشهرة والأضواء التى قضاها وحدها متمتعاً بحوريات الضوء …. صـ21
ويقول ومن حولى حوريات الضوء يتهافتن على لا بد أن أثبت للجميع أننى قادر على التحدى … صـ22
ويقول ازدادت أضواء الصالة وأمطرت الكشافات سيلاً فى النور صـ23 هذه الأحداث النفسية الرمزية أدت إلى تشكيل مفردات إنسانية خرجت بالمباراة الرياضية إلى صورة حقيقية نضالية ترمز إلى قهر النفس أولاً .
المكان :
يعد المكان من قيم العمل القصصي ولأساسية ، التى تشكل وجدان الكاتب ، والتي ينطلق منها البطل ويدور فى محورها – والمكان عند إبراهيم عطية حظى باهتمام بالغ ، فهو عنده مكان الطفولة والنشأة ، وهو عنده مكان العمل ، وهو عنده المدينة – والقرية – والشارع وترجع الأهمية المكانية عند الكاتب إلى شيئين أساسيين الأول : الدراسة النفسية لمركبات المكان الثاني : العناية القصوى بالعناصر المكانية الصغرى وقد تحدد ذلك كله أو معظمه فى شوارع مدينة الزقازيق – وأشهر ميادينها ، وتعتبر مدينة ابراهيم عطية . صورة شخصية مناهضة لذاته ولأبطاله يقول فى قصته دفء المشاعر الفراغ الذى يحتوينى ، سرنا معاً نبكى بيوت العاشقين ، وعمارات الأسمنت العالية تناطح السحاب , المدينة هى المدينة ، تتساقط من أجفان نوافذها قطرات الوجع الساكن فينا , شوارع مخنوقة بالدخان ,وأسراب الضوضاء تخترق السمع , وساعة الميدان تحسرنا على الزمن الذى يمضى , يبعثر سنوات العمر فى معنى بلا حياة حوريات الضوء صـ9 ويقول سجين الفرغ للشارع ، عند عبورى للجانب الآخر من الطريق ، استوقفتنى فتاة ظهرت فجأة ، لم أعرها اهتماماً حاولت أن أولى بعيداً عنها ، ظنَّا منِّى أنها تسألنى بعض النقود ، كما هو معتاد من بعض الفتيات الائى يتسولن فى الميدان ، صـ13
ويقول فى قصة كل شئ على مايرام مشينا نجر الخطى فى الشارع الخالى من الناس الا من الشبورة التى أخفت معالمه وطفلان متكومان تحت نفق المحطة المظلم . ما إن خرجنا من الوحشة المفزعة ، حتى بدت شوارع الزقازيق باردة ، تقاسمنا الصمت … صـ32
فى المقاطع السابقة حلَّت المدينة الذاتية عند الكاتب وبدت ملامحها المتآكلة ، وتلك حالة من حالات الكاتب لا يبرحها إلا فى القليل
4-الألوان الضوئية
من الوسائل التي لجأ إليها الكاتب في قصصه الضوء بألوانه الطبيعية والأصطناعية,واستطاع من خلال توظيفه للرمز المستمد من تلك الوسيلة أن يعمق فكرته ,ويخلع علي قارئه جمله من الأحاسيس المتفاوتة ,هذه الأحاسيس زادت من جماليات الصورة القصصية والشخصية والمكانية, وجعلت النواحي التعبيرية للحدث ومفرداته أرضا خصبه وبيئة متشابكة, تحوي وتعكس ما اغتلق فهمه وتأويله,مما يؤكد أن البيئة القصصية تستطيع أن تستوعب المحسوس والمعنوي وتحيله إلي رموز وأفكار قصصية,تساعد كثيرا في فهم مركبات الحدث والزمان والمكان . ولعل أقرب العناصر إلي هذه الخاصية – هو عنصر الزمان فالألوان الطبيعية تشير إلي الليل والنهار وما بينهما من أمور حياتية وأخلاقية وإنسانيه –والألوان الصناعية–تشير إلي حاله زمنيه ترمز ‘إلي التخفي ومن ثم الإنهيار الإنساني خاصة في زمن المدينة .أنظر في ذلك قصص حوريات الضوء – كل شيء

المزيد


قراءة فى عالم علاء عيسى الشعرى - بقلم محمود الديدامونى

يوليو 10th, 2007 كتبها علاء عيسى نشر في , النقد

 

 

 

قراءة في العامية المصرية المعاصرة بالشرقية

علاء عيسى ونبيل مصيلحي نموذجا

 

 

 

تمهيد

قديما كانت الدائرة التي يوجه إليها الشعراء شعرهم ضيقة ، وكانت دائرة أرستقراطية في المال والعقل جميعا .

واليوم لم يعد الشعر أرستقراطيا لانتشار الصحف وتطور وسائل الاتصال والإنترنت أي أنه أصبح ديمقراطيا يوجه إلى الطبقات الشعبية من حيث العلم والثقافة ومن حيث تذوق الشعر والمتعة به .

وهذا التحول في حياة الشعراء خلف آثارا لا تحصى في شعرهم ، فمن ذلك أنهم أخذوا ييسرون أساليبهم حتى تفهمها العامة ، ولم يعودوا يغربون فيها كما كان يغرب ( أبو تمام أو أبو العلاء ) ؛ لأنهم يريدون أن تفهم الطبقات الوسطى والدنيا ما يقولون .فأخذ الشعر يسهل حتى يقرب من أذهان العامة ، وحتى لا يجدوا فيها عسراً ولا مشقة . وعلى هذا النحو لم تعد عناية الشاعر موجهة إلى نفسه فحسب ، بل أصبحت موجهة إلى الجمهور وميوله . وفى ذات الوقت يسعى إلى التطور بشعره من حيث الشكل والموضوع مستعيرا أو مخلقاً ، والشاعر لا ينطلق بالبوح إلا عندما تجيش الخواطر في صدره وتتلمس لها مخرجا فتنطلق من نفسه شعرا غنائيا شخصيا . وبذلك  تنحصر وظيفة الشاعر في التنفيس الشخصي عن قائله .. وهذه نظرة ضيقة تبتعد عن أن تتسع لألوان أخرى من الشعر الوطني والدرامي والموضوعي الذي يمكن أن يعبر عن آمال الآخرين وآلامهم .. وبالتالي فإن شعراء اليوم فكوا إسار هذه القيود وانطلقوا في شتى المضامين دون قيد يمنعهم من البوح والغناء .

ونحن هنا بصدد الحديث عن شاعرين من شعراء الشرقية ( نبيل مصيلحى ، وعلاء عيسى) ورحلتيهما مع الشعر .

وهما يعالجان أزمة القيم التي يعانى منها المجتمع بصفة عامة فيختلفان مع ما ذهب إليه (سارتر) من وجوب التحلل من كافة القيم المتوارثة وعدم الإيمان إلا بشيء واحد وهو وجود الفرد في ذاته ثم داخل مجتمعه .

وليس معنى ذلك التسليم بتحرر الإنسان من القيم المتوارثة أن تسقط المسؤولية وتنعدم القيادة الفردية والاجتماعية , وإنما أن يتحمل كل فرد مسئوليته الفردية والاجتماعية .. وأن يبتدئ من نقطة العدم الديكارتيه التي تقول : ” أنا أفكر فإذن أنا موجود ” .. وأعتقد أنهما يختلفان كثيراً عن هذا الاتجاه بل ويعارضانه على حد سواء ، رغم أننا سنلمح عند علاء عيسى في أعماله (خيانة) , و (واحد واخد على خاطره) , و ( عشرة طاولة ) تعرضا إلى أزمة القيم بوضوح .

أما نبيل مصيلحى فيرصد هذه الأزمة في ديوانه ( حكايات تخلى الواحد يموت م الغيظ ) من خلال متتاليات من السرد الشعري ، إننا بصدد قراءة  لشاعرين متميزين من شعراء العامية في الشرقية ، تتعدد لديهما الأدوات والمهارات اللغوية والتشكيلية لرصد واقع اجتماعي معاش ، ويأملان ويحلمان بواقع آخر متخيل .

 

 

 

” صراع الشكل والتشكيل “

قراءة في أعمال علاء عيسى

الشعر العامي تطور بشكل كبير شأنه في ذلك شأن الشعر الفصيح ليستفيد من آليات هذا التطور لتتحول القصيدة الزجلية ـ بشكلها المعروف لدى  ” بيرم التونسي” و “أبو بثينة” ـ مرورا بالقصيدة التي تمزج بين القديم (الزجل) والحديث ( الشعر العامي ) حتى نصل إلى القصيدة العامية بشكلها المتعارف عليه الآن ، ومواكبة للتطور .

يصر الشعر العامي على  الدخول في معمعة الصراع بين القديم والحديث  ويقدم من خلاله القصيدة  النثرية ..

فهل يستطيع الشاعر أن يستفيد من جملة هذا التطور دفعة واحدة دون المرور بمراحله المعروفة؟. وهل تطور الشعر العامي في تركيباته ومضامينه كما تطور في شكله ؟. وهل تتطور آليات الرؤية حسب الشكل الذي يتناوله الشاعر؟. وهل تحقق للشاعر شخصية من خلال ما كتب؟.

هذا ما سنحاول البحث عنه عند الشاعر علاء عيسى من خلال تاريخه الإبداعي بدءا من ديوانه : ” العزف على أوتار ممزقة ” ومرورا بديوانه الثاني: “عفوا سقط العنوان سهوا ” ، وصولا إلى قصيدتيه : ” عشرة طاولة ” و ” واحد واخد على خاطره “  ، وديوان : “خيانة “

لم يكن علاء عيسى لينفصل عن هذا التطور الهائل والاستفادة منه شكلا ومضمونا .. إلا أنه نشأ بين أحضان أشعار وإبداعات بيرم التونسي وتكونت لديه ملكة التذوق ومن ثم البوح فانطلق مواكبا لذاته يعبر عن معاناة مجتمعه حينا كما في قصيدته ” لو حصل” ، والتي يمزج فيها من حيث المضمون بين الاجتماعي والسياسي في إطار ساخر من خلال مجموعة من الصور ، بدأ من البيئة الريفية التي هي منبع البيئات المصرية مصوراً معاناة الفلاح المصري مستنكرا على المستمع السؤال والاستنكار وهو في حقيقة الأمر يفعل العكس ، فالفلاح لا يألو جهدا في تحسين زراعته .. لكن تطاله الأيدي فيصبح كل شئ مغشوشا  ( التقاوي ـ المبيدات )

وفى النهاية       وتلقى الحسبة

محسوبة

تقـاوي ورش طيـارة

وساعة الدفع راح تدفع

وتلقى الدنيـا منـدارة

…. ما تسألشى ؟!

ثم يزحف علاء من الريف إلى المدينة في قصيدته ؛ ليرصد حياة الشباب المترفة .. وطغيان المحسوبية على كل مناحي الحياة ..

وفى الصورة الثالثة يثور على المادية التي قهرت كل روافد الحس في زمن لم يعد يعترف سوى بالمادة والمحسوبية ..

ولا يمكن أن تنفصل الحالة عند الشاعر في قصيدته لترتبط الحلقة وتتضح معالمها ( معاناة المنبع ـ الزحف إلى المدينة ـ القهر ـ الهجرة )

ولعل الغربة هنا لم تكن إلا رافدا للقهر الاجتماعي الذي سعى علاء عيسى إلى إظهاره في الفقرات الثلاث الأولى من قصيدته ..

ولـو يحصل ..!

وتلقـى أب بيعـافر

يسدد عمره في ديونه

وييجى شهر ويسـافر

سنين ورُّبنا فْ عونه

يتوه الابن في “البانجو”

وتلقى مراته بتخونه

……..ما تسألشى؟!

 

هذه هي الرؤية التي انطلق منها الشاعر ، وهذا هو الشكل الذي بدأ به تقريبا إن لم تكن هناك بعض البدايات وضح بها الشكل القصصي والسردي بالمعنى الحكائي وعقدة ولحظة تنوير في أكثر من أي شكل آخر ، هذا ما حاول الشاعر التغلب عليه ؛ ليقف على أرضية فنية أكثر تطورا ، كما في قصيدتيه “طلاق في ليلة الزفاف ـ لا عزاء للسيدات” وغيرهما ..

وتبدو بذور الرؤية في ديوانه الأول معلناً أنه لا ينفصل عن مفردات مجتمعه والتي يراها ممزقة إلى حد بعيد ، فأطلق على ديوانه : ” العزف على أوتار ممزقة ” .. وتصبح نظرته تأملية متنامية من ديوان إلى آخر ففي ديوانه الأول نجد ” ليه يا زهر” وكأنه يعاتب الزمن :

إخصى عليك يا زهـر         نفسي تكون ليَّــه

بارميك بآخر عــزم              بتصد ليه فيَّـــه

ونجد “طبعك يا موت ” وفيها يتعجب الشاعر من الموت الذي يأتي بلا تأجيل ولا تعجيل في قراره ، وهو في ذلك يتأثر بالقرآن الكريم وحكمة الإمام الشافعي ، وكما قلت حتى وإن تأمل فإنه لا ينفصل عن مجتمعه ، فيقول للموت:

لا الواسطة نافعة معاك  .. لا المال ولا العزوة

وفى تأملية أخرى يتساءل عن ماهية السعادة في قصيدته “من نظرتك” ، والتي حيرت الشعراء والأدباء والمفكرين في توضيح ماهيتها ، وهو شأنه في ذلك شأنهم في حيرة ..سأل سؤال حيرني ياما سنين كتير

هي السعادة في الكلام ولا السكات

وتنطلق هذه الرؤية داخله لتنمو وتصبح زاده الذي ينهل منه فنجد ديوانه الثاني : “عفوا سقط العنوان سهوا” يختلف الشكل ويتطور ، وتنمو لديه ملكة النقد ، ويصدر ديوانه بقصيدة ” أيوب” التي نلمح فيها النقد الساخر الضاحك  :      لو يسألوك ع السكن

وقالوا واقع ليه

ماتقولشى عيب في الموَن

وافهم باقولك إيه

الصح هوه الغلط

والعيبة مش في الزلط

فهمت يا أيوب

لو يسألوك ع السكن

العيبه اللى سكن

هوه اللى زق الطوب

فهمت يا أيوب ؟!

وينشغل الشاعر بالقضايا القومية ، ويتخذ فيها موقفا ، ويعلن هذا الموقف في أكثر من موضع ، ويقرر في بساطة : الموقف الواجب اتخاذه تجاه العدو الصهيوني في قصيدته : ” بيبسى كولا “

اخصى عليك يا “بيبس”

طلعت مش نكتة

انت واخوك ” الشيبس “

والباقى م اللستة

ويوضح طبيعة العربي الذي لا ينشغل كثيرا بمنبع الأشياء ، وخاصة في هذه الأيام ، وإنما انشغاله في المقام الأول حول إشباع رغبته

داير في سوق البلد        تنبـاع وتديهم

نشرب وندفع تمـن        يستوطنوا بيهم

ويعلن مقاطعته ..

نـدرن علينـا هنا     يا بيبس يا كولا

لو كنت حتى الدوا    لنرجعك ليهم .. !!

ورغم كتابة القصيدة بالشكل الحديث التفعيلي إلا أنني قصدت أن أكتبها بهذا الشكل لأوضح أن الشاعر مازال متمسكا بالزجل ، وليس هذا عيبا ، وإنما لا بد أن يؤمن أنه لن يخدعنا بطريقة الكتابة :

ولكنه يتدارك حقيقة المرحلة التي انتقل إليها فنجد مجموعة مقاطع بعنوان : ( عفوا ـ سقط ـ العنوان ـ سهوا ) ، وتبدو شخصية الديوان خلالها مع ثبات موقفه ورؤيته لمجتمعه ، ومن خلال مقطوعة أو قصيدة “سقط” يعود إلى فلسفياته

” البيضة ” ويا ” الفرخة “

على طول سوا في نقار

والمشكلة كلها

مين ابتدا المشوار

ويوضح أن الشيخ عندما قرر الافتاء فقد سقط فى فخ ..لكن الشيخ بما يملكه من فكاهة وقدرة على التغلب على مثل هذه الاشكاليات قال :

البـيـوت أســرا ر

الاتنين سوا ف النـار

الفرخة تبقى الغــدا

والبيض لزوم العشـا

وان فاض يبقى فطـار

واهو كله خير فى الدار

ومن ذلك أيضا  العنوان  ( 3 )

” القمـح ” ويـا ” الدرا “

دول زرعتين في الريف

متغـيرين في الشكــل

بين “سنبله” و “طراطيف”

طول عمرهم في خصام

زي ” الشتا ” و ” الصيف “

وآخـرت المسألـــة

يتجمعـوا في رغـيف !

هذا هو علاء عيسى في ديوانيه ” العزف على أوتار ممزقة” ، و”عفوا سقط العنوان سهوا” ..  لم يكن ينشغل بأسلوب الكتابة من حيث الشكل ، لكنه انشغل في المقام الأول بالفكرة والتعبير ..

بالرغم من بزوغ آليات الشكل الجديد للكتابة في بعض أعماله .. والتي تطورت لتواكب الشكل الحديث للقصيدة وهذا ما ف

المزيد


بنية الخطاب الشعرى

يوليو 10th, 2007 كتبها علاء عيسى نشر في , النقد

بنية الخطاب الشعري

بنية الوعي

قراءة في نماذج من شعر العامية في إقليم شرق الدلتا الثقافي

العربي عبد الوهاب  

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

       

تعد علاقة النص الشعري بآليات الخطاب الأخرى ومواضعات الواقع من أشد العلاقات تأثيراً وتأثراً بين المبدع والمتلقي من جهة وبين المبدع والسلطة من جهة أخرى . منذ شكاوي المصري الفصيح ودور عبد الله النديم – شعرياً – في مؤازرة الثورة العرابية ، وصولاً إلى أزمة الشعر تجاه اتساق الذات مع نفسها إلى اتساقها مع ذلك الخطاب المفروض ، نرى ذلك جلياً عند فؤاد حداد في موال البرج وأحمد فؤاد نجم في مشروعه الشعري الذي يتجلى كمردود سياسي للذات الشعرية الطامحة –دوماً- إلى الحرية ، وصولاً إلى تلك النماذج المدروسة التي تتفاعل مع آليات ذلك الخطاب الأيديولوجي عن قرب تارة كما نرى عند الشاعر مأمون كامل ونبيل مصيلحي وعلاء عيسى وتارة بدرجة أخرى أكثر تخفياً بالاتكاء على التشكيل الجمالي في إنتاج دلالات أوسع عند عزت إبراهيم ومن ثم كانت المرجعية الثقافية المشكلة للوعي من تراث مسموع أو مقروء ومن فولكلوريات وأمثال وحكايات … إلخ .. تقوم بدور هام في التعامل مع ذلك الطرح الشعري الذي يستمد ماهيات وجوده من خلال خلق علاقة ما مع المتلقي للمساهمة في خلخلة ذك الخطاب ، بالاعتماد على تفجير وتوظيف هذه المرجعية الثقافية التي نؤسس لها كمدخل أولي لاستقراء منابع الرؤيا في أشعارهم ثم تحليل وسائط المحتوى الجمالي للتوقف أمام طريقة الأداء الشعري التي أسست لإنتاج ذك الخطاب المتمرد على آليات الخطاب السياسي .

إن القراءة والدرس وكيفية التعامل مع منجزات القصيدة ، يظل هو المحك الأول لكشف عن خصوصية الصوت ، “مما يذكرنا القول بابن سلامة الجمحي صاحب هذه المقولة وصاحب الموقف المعرفي الداعي إلى استقلال شخصية الناقد بأدواته المعرفية وأحكامه الذوقية”(1) من هنا اعتمدنا على هذين الخطين ، المرجعية الثقافية والمحتوى الجمالي بعد بروز سطوة معظم النصوص ووحدة أثرها الفني وتوجهها نحو تحليل شفرة الخطاب المصدر إليها من الخارج / الواقع ، والذي انعكس بالتالي على شكل الوعي في المخيلة الشعرية .

وذك بالاحتماء بالذات من فيضان عصر ا

المزيد


أحلام … علاء عيسى

يوليو 5th, 2007 كتبها علاء عيسى نشر في , النقد

 

 

 

قراءة فى قصيدة واحدة

د. محمود عبد الحفيظ

كفر صقر . شرقية . منشية واكد

فى 13يناير 2006 م

                   إلى كفر صقر

                 أهدى هذه المشاركة

                           محمود . ,, 

 (1 )

عن سلسلة ” أصوات معاصرة ” صدر للشاعر “علاء عيسى ” ديوان العامية ” خيانة ” سنة 2005 م ، فى سبعين صفحة ، وهو يضم الإهداء وست قصائد ، فأما الإهداء فهو :

         ” إلى المواطن المصرى

الآن .. وحدك تستحق جائزة نوبل فى الصبر “

وأما القصائد فهى على الترتيب ، ( خيانة ـ أبو طامع ـ من مواطن للحكومة ـ جحا العربى ـ شيئ لزوم الشيئ ـ إوعى تموت ) ـ

وقد اخترت قصيدة العنوان  ـ خيانة  ـ وهى الأولى فى الديوان ، فى محاولة للتعرف والفهم ، لقد طال الغياب والابتعاد ، والآن أعترف أنى لا أعرف شيئا عن الأدب فى ” محافظة الشرقية ” ، ولعلى  ـ حين أقترب ـ أعرف وأفهم ..

                *

وبين أشهر واقعين غالبين  ـ فى عصرنا الحديث  : أمريكا وبريطانيا  ، وأشهر حلمين مغلوبين : صدام العراق وعرفات فلسطين  ، بين هذين وهذين يطلق علاء عيسى أحلامه الصغيرة والكبيرة ليكتشف أنه يطلق الدجاج عند جحور الثعالب 

                     وفى قصيدة خيانة ـ واختار عنوانها للديوان كله ـ

تأتينا أحلامه فى ثلاثة مقاطع ، مع ملاحظة أن هذه القصيدة وحدها تحتل ـ تقريبا ـ نصف الديوان ، فأما مقاطعها فتأتى هكذا :

الأول                من صـ 6       إلى          صــ 20    ـــــــــ       15 صفحــة

الثانى                من صـ 21      الى          صــ   29 ـــــــــ       9 صفحــات

الثالث               من صـ30        إلى         صــ   32 ــــــــــ       ثلاث صفحات

      وحين تفرغ من القراءة الثانية تكتشف أن المقطع الأول كان ( حلما يحاول أن يصير واقعا ) ، لكنه لا يستطيع ، تقول  الحبيبة / الحلم :

” بطَّل تحلم ‍‍‍

أوصافك صعبة

مافيهاش ولا واحد فى المية متوفر فينا

إحلم حلم يكون فى إيدينا

حلم يكون م السهل علينا “

لكن السهل ليس حلما ، والأحلام الكبيرة يتربص بها الواقع :

( ” آخر حلمك بقى فى العين !!

وعشان بتخاف لَمراتك تلمحها ف عينك

ف تخبى صورتها فْ قلبك

ومراتك بالذات لو حسّت حد فْ قلبك غيرها

راح تعملَّك ألف حكاية

فتحاول تضغط ع الصورة فْ قلبك أكتر ” )

وفى مقطع يمتد عبر خمس عشرة صفحة يمكن أن ينزلق شاعر العامية إلى الثرثرة ورص الأشياء ، لكن (علاء ) لا يثرثر ، إنما يمضى فى حلمه ـ صورته ، فى مواجهة الواقع ـ الأصل ، وهو ـ فى هذا المقطع ـ يقفز من حلم إلى واقع إلى حلم إلى واقع ، وإذا ما وافقنا وارتضينا أن يكون هذا المقطع  ( للحلم الذى يحاول أن يكون واقعا ) ، فإن علاء عيسى يملأ فضاءه بالأحلام 

 أبسط حق

 إن الواحد يحلم “

         لكن :

 (بين الصورة وبين البنت

ومراتك بينهم

الصورة اللى ف قلبك

بتقول لك خاين

لمّا بتعرف إن مراتك عايشة معاك

نفس الشئ فى مراتك

لو عرفت إن الصورة ف قلبك

هاتقول لك خاين

يعنى ف كل حالاتك …. خاين )

من يخون الآخر ؟ الحلم أم الواقع ، صدام أم العراق ، عرفات أم فلسطين ، نحن أم أمريكا ، المرأة أم الزوج  ، الأصل أم الصورة ؟ .. ومن مفردة “  الخيانة ” ينزلق بنا الشاعر إلى ختام هذا المقطع الطويل :

 

يعنى ف كل حالاتك خاين

الوقت كمان هايخونك

وهاتتأخَّر على مدرستك

والواد اللى بيعمل نفسه زميلك

واللى هوايته مسح الجوخ لمديرك

هاتزيد قدامه الفرصة

وهايمسك ودنه وهات يا كلام

وهكذا تهبط الأحلام من البيت وتصحب الشاعر إلى حيث يعمل , وهناك ـ فى المدرسة ـ يكون الواقع والخيانة  , وفى آخر صفحة من هذا المقطع  يمضى بنا الشاعر إلى الواقع بكل حضوره وثقله :

( إن رحت لقيت القبض -

- قول إن شاء الله -

إياك تنسى

دوا للبنت

عدى ع الدكتور بالمرة

كان بيقول محتاج لأشعة

” ” ” ” ” ” ” ” ” ” ” ” ” ” ” ” “

” ” ” ” ” ” ” ” ” ” ” ” ” ” ” ” “

البنت تقول لك : نفسى  يا بابا آكل “لحمة”

تضحك طبعا

جاهلة البنت

لو عرفت

إن الكيلو سعره معدى حدود الصبر .

كانت تنسى معنى الكلمة

تتوقف لحظة

تطبع على بنتك بوسة وتمشى

وتخاف لَتشوف الدمعة ف عينك

ف تسرَّع أكتر )

وبهذا الهروب الباكى المنكسر ينتهى مقطع الأحلام الخائن ، وإلا فما الخيانة ، إلا أن تكون هروبا من واقع ظالم إلى حلم بعيد  ..

وهكذا قلنا مقطع طويل  ، ومن بعده يأتى مقطع أقل كثيرا ، ولعلى أضع أمامى الآن ما يقوله الدكتور صلاح فضل عن نص ثلاثى هو أيضا ، وهو يصطنع هذه الفروق الواضحة بين أجزائه ، يقول عنثلاثية غرناطة ” لرضوى عاشور ، وكيف أن هناك معنى للتفاوت البين فى طول الأجزاء  ، ( وعندما نستعرض عدد صفحات الثلاثية نفاجأ بأنها تمضى على نفس هذا النسق الهرمى المتناقص من القاعدة إلى الذروة  ، فالجزء الأول يستغرق ( 305 ) صفحات ، والثانى  (150) صفحة ، والثالث (110) صفحات  ، ودلالة هذا الترتيب تلتقى بالضرورة مع مصير المملكة فى الانقراض والذوبان )  (1) ، ونحن نلحظ هبوطا فى آخر المقطع الأول :

تتوقف لحظة

تطبع على بنتك بوسة وتمشى

وتخاف لَتشوف الدمعة ف عينك

ف تسرَّع أكتر

هذا الهبوط فى آخر المقطع يسلمنا ـ بهروبه الباكى ـ إلى بداية المقطع الثانى  ( تسع صفحات )  حيث تتصارع أحلام المقطع الأول مع واقع المقطع الثانى  ، وقبل أن نتأمل بداية هذا المقطع نعود إلى بداية المقطع  الأول وختامه ، فأما الختام فقد فرغنا منه حالا ، وأما البداية فتقول :

( بتسامح كل الناس

الاَّ انت .

وتضَّيع عمرك على غيرك

وتدَّور عنك فى الناس

تلاقيك ممنوع

أحلامهم بس المشروعة

وْحلمك مش مشروع

الناس فى بلدنا أحلامهم للتنفيس

أما التنفيذ

ممنوع

منعاً باتاً )

وبين التنفيس والتنفيذ حرف واحد , مساحة ليست شاسعة ، فلماذا هى شاسعة وملغومة بين الحلم والواقع  ؟ هذا هو المقطع الأول : أحلام للتنفيس  “وصغيرة ” لا نملك أن نحقق حلمها فى أن تأكل ما فى نفسها.. لحمة !! .. فكيف يبدأ المقطع الثانى حيث تتصارع الأحلام والواقع :

تنزل من بيتك

وتبص بعينك ع الجرانين

المزيد





آهى عيشة وحياة ماشية ..... نجوع وبتشبع الحاشية